سيد محمد طنطاوي
46
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
فأنت ترى في هذه الآيات الكريمة بيانا حكيما من اللَّه - تعالى - لأهم متع الحياة الدنيا وشهواتها ، ولما هو خير من هذه المتع والشهوات ، مما أعده اللَّه لعباده المتقين من جنات وخيرات . وقوله * ( زُيِّنَ ) * من التزيين وهو تصيير الشيء زينا أي حسنا . والزينة هي ما في الشيء من المحاسن التي ترغب الناظرين في اقتنائه . قال الراغب : « والزينة بالقول المجمل ثلاث : زينة نفسية كالعلم والاعتقادات الحسنة ، وزينة بدنية كالقوة وطول القامة ، وزينة خارجية كالمال والجاه . . وقد نسب اللَّه التزيين في مواضع إلى نفسه كما في قوله - تعالى - ولكِنَّ اللَّه حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمانَ وزَيَّنَه فِي قُلُوبِكُمْ ونسبه في مواضع إلى الشيطان كما في قوله وإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطانُ أَعْمالَهُمْ وذكره في مواضع غير مسمى فاعله كما في قوله - تعالى - * ( زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَواتِ ) * « 1 » . والشهوات جمع شهوة ، وهي ثوران النفس وميلها نحو الشيء المشتهى . والمراد بها هنا الأشياء المشتهاة من النساء والبنين . . إلخ . وعبر عنها بالشهوات للإشارة - كما يقول الآلوسي - إلى ما ركز في الطباع من محبتها والحرص عليها حتى لكأنهم يشتهون اشتهاءها كما قيل لمريض : ما تشتهي ؟ فقال : أشتهي أن أشتهي . أو تنبيها على خستها : لأن الشهوات خسيسة عند الحكماء والعقلاء ففي ذلك تنفير عنها وترغيب فيها عند اللَّه ، ثم قال : والتزيين للشهوات يطلق ويراد به خلق حبها في القلوب ، وهو بهذا المعنى مضاف إليه - تعالى - حقيقة لأنه لا خالق إلا هو . ويطلق ويراد به الحض على تعاطى الشهوات المحظورة فتزيينها بالمعنى الثاني مضاف إلى الشيطان تنزيلا لوسوسته وتحسينه منزلة الأمر بها والحض على تعاطيها » « 2 » . ثم بين - سبحانه - أهم المشتهيات التي يحبها الناس ، وتهفو إليها قلوبهم ، وترغب فيها نفوسهم ، فأجملها في أمور ستة .
--> ( 1 ) المفردات في غريب القرآن للراغب الأصفهاني ص 218 . ( 2 ) تفسير الآلوسي ج 3 ص 99 . بتلخيص .